الحيدري العلوي
10-03-2004, 08:42 AM
بسمه تعالى ،،
ظاهرة الثبات في التشريع الإسلامي
بقلم : فضيلة الأستاذ سعدي عبد العزيز نعيمة
من الخصائص التي امتاز بها التشريع الإسلامي (ظاهرة الثبات) ، ونعني بها : (( حلال محمد-ص- حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد-ص- حرام إلى يوم القيامة )) .
قال-تعالى-: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ))(الحشر: من الآية7) ، وقال-تعالى-: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36)
ومعنى ذلك: أن التشريع الإسلامي الذي جاء بتبليغه نبـيّنا محمد-ص- ثابت على مرّ العصور والدهور ، وصالح لكل زمان ومكان .
وظاهرة الثبات هذه جعَلَتْ بعضَ الباحثين في النُّظُم الوضعية يشكك في قدرة النظام الإسلامي على مسايرة التطور باعتباره جاء في عصر البداوة وركوب الحيوانات ، عصر المحراث البسيط للحراثة ، والشمعة للضياء ، ونحن اليوم نستعمل المكائن والآلات ، والذّرّة والكهرباء ، ونصل إلى أي مكان في ساعات معدودات ، بل يمكن مشاهدة أي مكان في لحظات . . هذا معناه الجمود والتأخر ، والتخلف عن مسايرة التطور !
ولإيضاح ذلك نقول : أنه في التشريع الإسلامي جوانب ثابتة ورد فيها نَصّ قرآني ، أو حديث نبويّ، لا يمكن الاجتهاد فيها لأنه اجتهاد مقابل النص ، ولكن يمكن إكسابها مرونة التغيير كما سنوضح لاحقًا .
وجوانب متغيرة : لم يأتِ فيها نص قرآني أو حديث نبويّ ، وهي التي تمثّل ( منطقة الفراغ ) في التشريع-إن صح التعبير- ، فمسؤولية وليّ أَمْر المسلمين - باعتباره أعلم المجتهدين - أن يعمل فيها وفق الظروف والمناسبات والمصالح والحاجات .
فالتدخين مثلاً : لم يرد فيه نَصٌّ في الوجوب أو الحرمة ، ومقتضى قاعدة التشريع الإسلامي السمحاء هو الإباحة ، نرى المرجع الديني الميرزا محمد حسن الشيرازي –رحمه الله- أفتى بحرمته عندما علم أن شاه إيران سنة 1309هجرية ناصر الدين القاجاري منح امتيازًا لشركة إنكليزية بحصر التبغ ، وأدرك أن ذلك يهدد اقتصاد البلد . . ولما شاع خبر التحريم تركه الناس ، ولما علم الشاه لم يحرّك ساكنًا واضطر إلى فَسْخ الامتياز ، وحينئذ أباح المرجع الديني الشيرازي – رحمه الله - لهم التدخين وحلّيته ، عملاً بالجوانب المتغيرة التي يراعى فيها مصلحة الناس وحاجاتهم .
أما الجوانب الثابتة : التي مرّ ذكرها آنفًا يمكن إكسابها مرونة التغيير بموجب قواعد أخرى كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) ، وقاعدة ( ماجعل عليكم في الدين من حرج) أي قاعدة العُسر واليُسر، وقاعدة - مبدأ تدخُّل الدولة - (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
فمثلاً : (من أحيا أرضًا فهي له ) ، حديث نبوي ثابت العمل به ، فعصر المحراث القديم يمكنه حرث مساحة محدودة ، أما مع تطوّر الآلات اليوم فلو أن شخصًا حرث مساحات واسعة من الأرض الموات ، ووفّر لها كل ما تحتاج إليه من عوامل الإنبات ، يمكنه الانتفاع بهذه الأرض ، ويملك فرصة الاستثمار إذا كان ذلك في أرض صحراوية مثلاً ،لم يزاحمه عليها إنسان.
أما إذا أدّى ذلك إلى حرمان كثير من العوائل ، فهنا تتدخل الدولة ويُعطى حاجته المناسبة ويُوزع الباقي على الآخرين ، فالحديث الثابت ( من أحيا أرضًا فهي له) حديث صحيح ، ولكن يمكن إكسابه المرونة بموجب قواعد أخرى ثابتة كقاعدة ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
والجوانب الثابتة : كما يمكن إكسابها عن طريق قواعد مرّ ذكرها ، يمكن إكسابها أيضًا عن طريق المفهوم مرونة َ ، ومواكبة العصر .
فمثلا قوله – تعالى -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنَْ قوّة ) (الأنفال:60) يوجب على الدولة إعداد القوة الكافية لحفظ الأمن الداخلي ولصد الاعتداء الخارجي .
والقوة في زمن النبي -ص- تمثل الرمح والسيف والبغال والخيل ونحو ذلك ، أما اليوم فتمثل الدبابات والطائرات ، والقنابل والصواريخ ونحو ذلك .
فإعداد القوة تشريع ثابت لكل العصور ، ولكن مفهوم القوة متغير يتناسب مع كل تطورات العصور.
ومن هنا نفهم أن ظاهرة الثبات في التشريع الإسلامي التي تعني أن حلال محمد -ص- حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة . . لا تعني الجمود وعدم مواكبة التطور ، وإنما هي قواعد تصلح لكل زمان ومكان بما تحمله من جوانب متغيرة تساير التظور وتواكب التقدم . . وبما تحمله من جوانب ثابتة لكن إكسابها مرونة التغيير بموجب قواعد أخرى كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار ) ، وقاعدة (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج) ، أي قاعد اليسر ونحوهما .
ويمكن إكسابها مرونة التغيير أيضًا عن ظريق المفهوم كمفهوم القوة مثلاً ، وبذلك يبقى التشريع كفيلا بتلبية متطلبات المجتمع وإرساء أسس الخير والعدالة بين أبنائه ، ولا غرابة في ذلك لأنه صادر من حكيم مطلق ، مستوعب لكل الكمالات بكل شيء عليم . .
والحمد لله رب العالمين
ظاهرة الثبات في التشريع الإسلامي
بقلم : فضيلة الأستاذ سعدي عبد العزيز نعيمة
من الخصائص التي امتاز بها التشريع الإسلامي (ظاهرة الثبات) ، ونعني بها : (( حلال محمد-ص- حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد-ص- حرام إلى يوم القيامة )) .
قال-تعالى-: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ))(الحشر: من الآية7) ، وقال-تعالى-: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36)
ومعنى ذلك: أن التشريع الإسلامي الذي جاء بتبليغه نبـيّنا محمد-ص- ثابت على مرّ العصور والدهور ، وصالح لكل زمان ومكان .
وظاهرة الثبات هذه جعَلَتْ بعضَ الباحثين في النُّظُم الوضعية يشكك في قدرة النظام الإسلامي على مسايرة التطور باعتباره جاء في عصر البداوة وركوب الحيوانات ، عصر المحراث البسيط للحراثة ، والشمعة للضياء ، ونحن اليوم نستعمل المكائن والآلات ، والذّرّة والكهرباء ، ونصل إلى أي مكان في ساعات معدودات ، بل يمكن مشاهدة أي مكان في لحظات . . هذا معناه الجمود والتأخر ، والتخلف عن مسايرة التطور !
ولإيضاح ذلك نقول : أنه في التشريع الإسلامي جوانب ثابتة ورد فيها نَصّ قرآني ، أو حديث نبويّ، لا يمكن الاجتهاد فيها لأنه اجتهاد مقابل النص ، ولكن يمكن إكسابها مرونة التغيير كما سنوضح لاحقًا .
وجوانب متغيرة : لم يأتِ فيها نص قرآني أو حديث نبويّ ، وهي التي تمثّل ( منطقة الفراغ ) في التشريع-إن صح التعبير- ، فمسؤولية وليّ أَمْر المسلمين - باعتباره أعلم المجتهدين - أن يعمل فيها وفق الظروف والمناسبات والمصالح والحاجات .
فالتدخين مثلاً : لم يرد فيه نَصٌّ في الوجوب أو الحرمة ، ومقتضى قاعدة التشريع الإسلامي السمحاء هو الإباحة ، نرى المرجع الديني الميرزا محمد حسن الشيرازي –رحمه الله- أفتى بحرمته عندما علم أن شاه إيران سنة 1309هجرية ناصر الدين القاجاري منح امتيازًا لشركة إنكليزية بحصر التبغ ، وأدرك أن ذلك يهدد اقتصاد البلد . . ولما شاع خبر التحريم تركه الناس ، ولما علم الشاه لم يحرّك ساكنًا واضطر إلى فَسْخ الامتياز ، وحينئذ أباح المرجع الديني الشيرازي – رحمه الله - لهم التدخين وحلّيته ، عملاً بالجوانب المتغيرة التي يراعى فيها مصلحة الناس وحاجاتهم .
أما الجوانب الثابتة : التي مرّ ذكرها آنفًا يمكن إكسابها مرونة التغيير بموجب قواعد أخرى كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) ، وقاعدة ( ماجعل عليكم في الدين من حرج) أي قاعدة العُسر واليُسر، وقاعدة - مبدأ تدخُّل الدولة - (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
فمثلاً : (من أحيا أرضًا فهي له ) ، حديث نبوي ثابت العمل به ، فعصر المحراث القديم يمكنه حرث مساحة محدودة ، أما مع تطوّر الآلات اليوم فلو أن شخصًا حرث مساحات واسعة من الأرض الموات ، ووفّر لها كل ما تحتاج إليه من عوامل الإنبات ، يمكنه الانتفاع بهذه الأرض ، ويملك فرصة الاستثمار إذا كان ذلك في أرض صحراوية مثلاً ،لم يزاحمه عليها إنسان.
أما إذا أدّى ذلك إلى حرمان كثير من العوائل ، فهنا تتدخل الدولة ويُعطى حاجته المناسبة ويُوزع الباقي على الآخرين ، فالحديث الثابت ( من أحيا أرضًا فهي له) حديث صحيح ، ولكن يمكن إكسابه المرونة بموجب قواعد أخرى ثابتة كقاعدة ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).
والجوانب الثابتة : كما يمكن إكسابها عن طريق قواعد مرّ ذكرها ، يمكن إكسابها أيضًا عن طريق المفهوم مرونة َ ، ومواكبة العصر .
فمثلا قوله – تعالى -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنَْ قوّة ) (الأنفال:60) يوجب على الدولة إعداد القوة الكافية لحفظ الأمن الداخلي ولصد الاعتداء الخارجي .
والقوة في زمن النبي -ص- تمثل الرمح والسيف والبغال والخيل ونحو ذلك ، أما اليوم فتمثل الدبابات والطائرات ، والقنابل والصواريخ ونحو ذلك .
فإعداد القوة تشريع ثابت لكل العصور ، ولكن مفهوم القوة متغير يتناسب مع كل تطورات العصور.
ومن هنا نفهم أن ظاهرة الثبات في التشريع الإسلامي التي تعني أن حلال محمد -ص- حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة . . لا تعني الجمود وعدم مواكبة التطور ، وإنما هي قواعد تصلح لكل زمان ومكان بما تحمله من جوانب متغيرة تساير التظور وتواكب التقدم . . وبما تحمله من جوانب ثابتة لكن إكسابها مرونة التغيير بموجب قواعد أخرى كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار ) ، وقاعدة (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج) ، أي قاعد اليسر ونحوهما .
ويمكن إكسابها مرونة التغيير أيضًا عن ظريق المفهوم كمفهوم القوة مثلاً ، وبذلك يبقى التشريع كفيلا بتلبية متطلبات المجتمع وإرساء أسس الخير والعدالة بين أبنائه ، ولا غرابة في ذلك لأنه صادر من حكيم مطلق ، مستوعب لكل الكمالات بكل شيء عليم . .
والحمد لله رب العالمين